يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

33

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

خرجت به قرحة جعل عليها حناء . وقد جاء عنه في حديث أهل البيت : أنه كان يكتحل كل ليلة ، ويحتجم كل شهر ، ويشرب الدواء كل سنة ، وقد داوى غيره وقطع لبعضهم عرقا ، وكوى آخر وأمر بالدواء ، وقال : تداووا عباد اللّه . وأمر بالحجامة فقال : احتجموا لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين ، لا يتبيغ بكم الدم . ذكر ذلك أبو طالب في كتاب قوت القلوب . وقال : أحسبه لأهل الحجاز خاصة . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتداوي كما تقدّم . وهو رأس المتوكلين وإمام العابدين ، وكان رحمة للعالمين . فإذا لا يقدح التداوي في التوكل إذا كان المتوكل عالما وقصد بالتداوي اتباع السنة كما قال عليه الصلاة والسلام : من رغب عن سنتي فليس مني . والتداوي رخصة وسعة . وقد قال اللّه تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] . واللّه تعالى يحب أن يؤخذ برخصه ، كما يحب أن يؤخذ بعزائمه . وقد صام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في السفر وأفطر . وكان ظاهره للخلق ليقفوا آثاره ، فأفطر لأجل الناس لأن الصوم قد كان شق عليهم ، وامتنع قوم من الفطر مع المشقة فقال فيهم : أولئك العصاة . فإذا نوى المتداوي اتباع السنة ؛ ونوى حكم اللّه تعالى في العقاقير التي أودعها سبحانه المنافع ؛ واستعجل البرء للطاعة والخدمة لمولاه والسعي في أوامره ؛ إذ كانت العلل قاطعة عن التصرف في العمل ، وشاغلة للنفس عن الشغل في الآخرة ، كان فاضلا في فعله . ولم يقدح ذلك في توكله لعلمه أن لكل شيء قدر وأن الدواء من قدر اللّه ، وأن النافع والضار والمبتلي والمعافي هو اللّه وحده ، ولكن يعافي بسبب وبغير سبب ، كما يرزق بواسطة ويغير واسطة . كما يروى أن موسى عليه السلام اعتل علة فدخل عليه بنو إسرائيل فعرفوا علته فقالوا : إن دواء هذه العلة معروف مجرب ، وإنا نتداوى به فنبرأ . فقال : لا أتداوى . فدامت علته فأوحى اللّه تعالى إليه : وعزتي لا أبرأتك حتى تتداوى بما ذكروه لك ، فقال : داووني بما ذكرتم . فداووه فبرئ فأوجس في نفسه من ذلك ، فأوحى اللّه إليه : يا موسى أردت أن تبطل حكمتي لتوكلك عليّ ، من أودع العقاقير منافع الأشياء . وفي بعض الأخبار أن نبيا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شكى إلى اللّه الضعف فأوحى اللّه تعالى إليه : كل البيض ، ولآخر : كل اللحم باللبن ، فإن فيهما القوة . قال الشيخ أحسبه للضعف عن الجماع . فهذه طريقة درج عليها طائفة من العمال ، وثم طريقة أخرى أقوى من هذه للأقوياء ، لأن في الدين طريقتين : طريق تبتل وعزيمة ، وطريق توسع ورخصة ، فمن عوفي سلك الطريق الأشدّ وهو الأقرب والأعلى ، وهذا